صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

31

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

لذاته فقد بأن أن كل واجب الوجود بغيره فهو ممكن الوجود بذاته [ ان الممكن بالذات مع الوجود ] قوله إن كل ما هو ممكن الوجود إلى آخره يريد بيان حاجة الممكن إلى العلة دائما في حالتي وجوده وعدمه فإنه إما أن يكون حاصل الوجود أو حاصل العدم في الواقع وإن لم يكن شيء منهما باعتبار ذاته بذاته لأن ارتفاع النقيضين عن الواقع ممتنع وإما عن مرتبة منه فإذا حصل شيء منهما في الواقع فلا يخلو إما أن يكون ذاته بذاته كافية في اتصافها به وصدقها عليه فيكون ذاته واجبة لا ممكنة وقد فرضناها ممكنة هذا خلف وإن لم يكن كافية فلها في كل من الحالين علة لا محالة وهو المطلوب أما علة الوجود فوجود العلة وأما عدم العلة فعدمها لكن السببية والمسببية بين الأعدام كامتياز بعضها من بعض إنما يكون على سبيل التبعية وبالعرض كما علمت فيما سبق [ في بيان الوجوب بالقياس إلى الغير ] قوله يجب أن يصير واجبا لعلة يريد بيان أن الممكن ما لم يصر واجبا بعلة الموجبة له لم يصر موجودا وذلك لأنه بعد تحقق ما يسمى علة إما أن يجب وجوده أو لم يجب فإن وجب فذاك وإن لم يجب فهو بعد ممكن الوجود لم يتميز وجوده عن عدمه ولم يحصل الفرق فيه بين هذه الحالة والحالة الأولى لأنه يجوز وجوده ويجوز عدمه فيحتاج في حصول أحدهما إلى حال أخرى والسؤال مع تلك الحال عائد أنه واجب أو ممكن فإن كان ممكنا بعد فقد كان حاله الحالة الأولى والمفروض خلافه هذا خلف وإن وجب فوجوبه بما هو الموجب له وهو العلة لا غير فالشيخ قرر ذلك الشق بأنه إذا جاز وجوده وعدمه مع تحقق علة الوجود فيحتاج إلى انضمام علة أخرى وهكذا يرد السؤال ويلزم الاحتياج إلى علة ثالثة ورابعة وهكذا إلى غير النهاية فيلزم التسلسل ومع لزوم التسلسل سواء كان ممتنعا أو لا نقول لا يخلو إما أن حصل الوجوب والإيجاب بمجموع تلك العلل المتسلسلة أم لا فإن حصل فثبت المطلوب وهو أن الممكن ما لم يجب بعلته لم يوجد وإن لم يحصل فلم يكن ما فرضناه علة للموجود علة له هذا خلف وأما صيرورة الشيء من جهة علته أو من جهة ذاته بحيث يكون أولى له الوجود والعدم أولوية غير بالغة حد الوجوب أو كون أحد الطرفين أليق بالنسبة إلى الذات الإمكانية لياقة غير واصلة إلى حد الضرورة لا من قبل مبدأ خارج ولا باقتضاء وسببية ذاتية فهذه كلها من تلفيقات المتأخرين لا يحتاج إبطالها إلى كثير مئونة بعد تعرف حال المهية والوجود ومعنى الاقتضاء وأن المهية من حيث هي هي لا سببية لها بالقياس إلى الوجود لا تاما ولا ناقصا على أنا قد بسطنا الكلام في ذلك المبحث في الأسفار الأربعة من أراده فليرجع إليه قوله وبالقياس إليها إلى آخره اعلم أن كلا من الوجوب وشقيقيه يتصور بحسب المفهوم أن يكون بالذات وبالغير وبالقياس إلى الغير فهذه تسعة أقسام لكن الفحص والبرهان أبطلا كون الإمكان حاصلا بالغير وذلك لأن موضوع الإمكان بالغير أما الممكن بالذات فيلزم أن يكون شيء واحد حاصلا بالذات وبالغير جميعا وقد ثبت بطلانه مثل ما مر وأما الواجب بالذات أو الممتنع بالذات فيلزم انقلاب الحقيقة وزوال ما بالذات فبقي الأقسام الباقية فموضوع الوجوب بالغير ليس الواجب بالذات كما مر ولا الممتنع بالذات وإلا لزم التناقض بل الممكن بالذات لأن معناه ما لا ضرورة له في الوجود والعدم لا إيجاب إلا ضرورة فيهما ولا أمر بالفعل فالإمكان حالة استعدادية نسبته إلى الضرورة نسبة التمام وكذا موضوع الامتناع بالغير لا يكون إلا الممكن بالذات دون الممتنع بالذات والواجب بالذات بمثل ما علمت وأما الموضوع للوجوب بالقياس إلى الغير فقد يكون الواجب بالذات والممكن بالذات دون الممتنع بالذات لا بحسب التقدير بالقياس إلى ما يلزمه أو يستلزمه إذ معنى الوجوب بالقياس إلى الغير هو ضرورة تحقق الشيء بالنظر إلى الغير على سبيل الاستدعاء الأعم من الاقتضاء ومرجعه إلى أن ذلك الغير يأبى ذاته إلا أن يكون لذلك الشيء ضرورة الوجود سواء كان باقتضاء ذاتي أو بحاجة ذاتية لأجل وجود تعلقي فلكل من العلة التامة ومعلولها وجوب بالقياس إلى الآخر بهذا المعنى فوجوب العلة بالقياس إلى المعلول عبارة عن استدعائه بحسب أن وجوبه بها أن يكون هي مما وجب وجودها سواء كان بذاتها أو بغيرها ووجوب المعلول بالقياس إلى العلة كونها بتماميتها متباينة إلا أن يكون معلولها ضروري الثبوت في الخارج مع عزل النظر عن أن المعلول له وجوب مستفاد من العلة فإن هذا حال المعلول في نفسه ويعبر عنه بالوجوب بالغير وأما الموضوع للإمكان بالقياس إلى الغير فإنما يتحقق في الأشياء بالقياس إلى أشياء ليست بينها علاقة العلية والمعلولية كحال الواجب بالذات بالقياس إلى واجب وجود آخر مفروض أو لازمة أو معلولة وكحال الممتنع بالذات بالقياس إلى ممكنات موجودة وأما موضوع الامتناع بالقياس إلى الغير فهو أيضا قد يكون واجبا بالذات كما إذا اعتبر حاله بالقياس إلى نقائض ما يجب به أو يجب بالقياس إليه كحاله بالقياس إلى عدم العقل الأول وقد يكون ممكنا بالذات كما في حال الممكن بالقياس إلى نقيضيه أو نقيض علته وقد يكون ممتنعا كحال نقيض الواجب بالذات بالقياس إليه وإلى لوازمه ومعلولاته قوله ولا يجوز أن يكون واجب الوجود مكافيا إلى آخره قد علمت أن وجوب الوجود بالقياس إلى الغير لا يتحقق في شيء إلا بالقياس إلى ما هو علة موجبة له ومعلول واجب به فلا يتحقق بين واجبين بالذات والمراد بالتكافي بين شيئين في الوجود هو التلازم العقلي بينهما بأن يكون كل منهما يستدعي بحسب الذات وجود الآخر ويأبى الانفكاك عنه وهذا بعينه معنى الوجوب بالقياس إلى الغير وهو غير معنى الوجوب بالغير لكنه لا يتحقق إلا بين شيئين كل منهما يجب بالآخر